ابراهيم بن عمر البقاعي

259

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أنزل ؟ قال « إني أحب أن أسمعه من غيري » فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال « أمسك » فإذا عيناه تذرفان » « 1 » ثم استأنف الجواب عن ذلك بقوله : يَوْمَئِذٍ أي تقوم الأشهاد يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ستروا ما تهدي إليه العقول من آياته ، وبين أنهم مخاطبون بالفروع في قوله : وَعَصَوُا الرَّسُولَ بعد ستر ما أظهر من بيناته لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي تكون مستوية معتدلة بهم ، ولا تكون كذلك إلا وقد غيبتهم واستوت بهم ، ولم يبق فيها شيء من عوج ولا نتوّ بسبب أحد منهم ولا شيء من أجسامهم ؛ وإنما ودوا ذلك خوفا مما يستقبلهم من الفضيحة بعتابهم ثم الإهانة بعقابهم . ولما كان التقدير : فلا تسوى بهم ، عطف عليه قوله : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ أي الملك الأعظم حَدِيثاً * أي شيئا أحدثوه بل يفتضحون بسيىء أخبارهم ، ويحملون جميع أوزارهم ، جزاء لما كانوا يكتمون من آياته وما نصب للناس من بيناته . ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال إلى تمني العدم ، ومنعت قوة يد القهر والجبر أن يكتم حديثا ، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ وصف الوقوف بين يديه في الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم ، والذي خطرت معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره ، وأمر بالطهارة في حال التزين به عن الخبائث فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالتصديق بالرسل وما أتوا به عن اللّه ، وأوله وأولاه أن لا تشركوا به شيئا من الإشراك لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ أي بأن لا تكونوا في موضعها فضلا عن أن تفعلوها وَأَنْتُمْ أي والحال أنكم سُكارى أي غائبو العقل من الخمر أو نحوها ، فإنه يوشك أن يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل - إلى شيء من الإشراك ، فيكون شركا لسانيا وإن كان القلب مطمئنا بالإيمان ، فيوشك أن يعرض ذلك عليه يوم الوقوف الأكبر ، فإن من أنتم بين يديه لا يكتم حديثا ، فيود من نطق لسانه بذلك - لما يحصل له من الألم - لو كان من أهل العدم ! وأصل السكر في اللغة : سد الطريق ؛ وسبب نزولها ما رواه مسدد بإسناد - قال شيخنا البوصيري : رجاله ثقات - عن علي رضي اللّه تعالى عنه « أن رجلا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه فسقاهما قبل أن تحرم الخمر ،

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4582 و 5050 و 5055 و 5056 ومسلم 800 وأبو داود 3668 والترمذي 3028 وفي الشمائل 316 وابن حبان 735 وابن أبي شيبة 10 / 563 والطبراني 8462 و 8463 و 8467 والحميري 101 وأحمد 1 / 374 و 380 و 433 كلهم من حديث عبد اللّه بن مسعود .